ابن عربي
350
مجموعه رسائل ابن عربي
وآثرت العزلة حرصا على الخلوة وتصفية القلب للذكر ، وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعاش تغير في وجه المراد ، وتشوش صفوة الخلوة ، وكان لا يصفو الحال إلّا في أوقات متفرقة ، لكني - مع ذلك - لا أقطع طمعي منها ، فتدفعني عنها العوائق وأعود إليها . ودمت على ذلك مقدار عشر سنين ، وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن احصاؤها واستقصاؤها . والقدر الذي أذكره لينتفع به : اني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق اللّه تعالى خاصة ، وأن سيرهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطريق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ، بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكم الحكماء ، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ، ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا ، وأن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم ، مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به . وبالجملة : فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها ، وهي أول شروطها : تطهير القلب بالكلية عما سوى اللّه تعالى . ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة : استغراق القلب بالكلية بذكر اللّه ، وآخرها الفناء بالكلية في اللّه ، وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها ، وهي على التحقيق : أول الطريقة ، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه . ومن أول الطريقة : تبتدىء المكاشفات والمشاهدات ، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتا ، ويقتبسون منهم فوائد ، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال ، إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق ، ولا يحاول معبر أن يعبر عنها إلّا اشتمل لفظه على خطأ صريح ، لا يمكنه الاحتراز عنه . وعلى الجملة : ينتهي الأمر إلى قرب : يكاد يتخيل منه طائفة : الحلول ، وطائفة الاتحاد ، وطائفة : الوصول ، وكل ذلك خطأ ، وقد بيّنا وجه الخطأ فيه في كتاب « المقصد الأسنى » بل الذي لا بسته تلك الحالة ، لا ينبغي أن يزيد